الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

112

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و ( ما ) موصولة وأكثر استعمالها فيما يكون فيه صاحب الصلة غير عاقل . وأطلقت هنا على معبوداتهم من الأصنام والجنّ والشياطين تغليبا ، على أن ( ما ) تستعمل فيما هو أعمّ من العاقل وغيره استعمالا كثيرا في كلام العرب . وكانت أصنامهم ومعبوداتهم حاضرة في ذلك المشهد كما دلّت عليه الإشارة لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها . والحصب : اسم بمعنى المحصوب به ، أي المرمي به . ومنه سميت الحصباء لأنها حجارة يرمى بها ، أي يرمون في جهنم ، كما قال تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ * [ البقرة : 24 ] أي الكفار وأصنامهم . وجملة أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ بيان لجملة إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ . والمقصود منه : تقريب الحصب بهم في جهنم لما يدلّ عليه قوله وارِدُونَ من الاتصاف بورود النار في الحال كما هو شأن الخبر باسم الفاعل فإنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال . وقد زيد في نكايتهم بإظهار خطئهم في عبادتهم تلك الأصنام بأن أشهدوا إيرادها النار وقيل لهم : لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها . وذيل ذلك بقوله تعالى : وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ أي هم وأصنامهم . والزفير : النفس يخرج من أقصى الرئتين لضغط الهواء من التأثر بالغمّ . وهو هنا من أحوال المشركين دون الأصنام . وقرينة معاد الضمائر واضحة . وعطف جملة وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ اقتضاه قوله لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ لأن شأن الزفير أن يسمع فأخبر اللّه بأنهم من شدة العذاب يفقدون السمع بهذه المناسبة . فالآية واضحة السياق في المقصود منها غنية عن التلفيق . وقد روى ابن إسحاق في « سيرته » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلس يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد الحرام فجاء النضر بن الحارث فجلس معهم في مجلس من رجال قريش ، فتلا رسول اللّه عليهم : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ثم قام رسول اللّه وأقبل عبد اللّه بن الزبعرى السهمي « 1 » قبل أن يسلم فحدثه الوليد بن المغيرة

--> ( 1 ) بكسر الزاي وفتح الموحدة وسكون العين وفتح الراء مقصورا : السيّئ الخلق .